محمد طاهر الكردي
41
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
في ذلك الأموال العظيمة ، وتم ذلك في سنة ( 807 ) في أيام الناصر زين الدين أبي السعادات فرج بن برقوق بن آنص الجركسي ، ثاني ملوك الجراكسة . وأما رباط " رامشت " ، الذي صدر منه الحريق ، فقد عمره أمير مكة يومئذ الشريف حسن بن عجلان ، وجعله رباطا للفقراء كما كان ، وصرف عليه من ماله إلى أن عاد أحسن من الأول . هذا حاصل ما ذكره التقي الفاسي ، والقاضي ابن ظهيرة ، وقطب الدين الحنفي في " الإعلام " وغيرهم . فظهر لنا مما تقدم ، أن ملوك الجراكسة ، الذين هم ملوك مصر ، في ذلك العصر ، لم يكن في استطاعتهم نقل الأساطين المرمر الرخام من مصر إلى مكة المكرمة ، لأجل أن يضعوها في المواضع ، التي احترقت بالمسجد الحرام ، كما فعل ذلك الوليد بن عبد الملك ، وأبو جعفر المنصور ومحمد المهدي العباسي ، ولو كان في استطاعتهم لما تأخروا عن نقلها . وهذا أعظم دليل على قوة عزم الخلفاء الأمويين والعباسيين ، أولئك الذين هم غرة جبين ملوك الإسلام ، حيث من أتى بعدهم من الملوك ، سواء كانوا عربا أو عجما ، لم يصلوا من القوة والعزم إلى ما وصل إليه الأمويون والعباسيون ، وسيأتي ما يؤيد ذلك من خبر عمارة سلاطين آل عثمان للمسجد الحرام ، وهي العمارة التي لا تزال إلى العصر الحاضر ، فإنهم رغما عن أن عمارتهم للمسجد الحرام كانت على غاية من المتانة والإتقان إلا أنهم لم يأتوا بالأساطين الرخام من مصر أو الشام ، لإكمال ما نقص من الأساطين الرخام ، فقد عملوا عوضا عنها الأعمدة الثخينة المثمّنة والمسدسة والمربّعة ، وبنوها بالحجر المنحوت من الصوان والشميسي ، مع أن مصر والشام ، في ذلك العصر ، كانتا من ضمن ممالكهم ، وربما كانت أدوات النقل في عصرهم أرقى مما كانت في العصرين الأموي والعباسي واللّه أعلم . انتهى من " تاريخ عمارة المسجد الحرام " للشيخ باسلامة رحمه اللّه تعالى . عمارة المسجد الحرام بالقباب بشكله الحاضر في زماننا تقدم أن الخليفة " محمد المهدي العباسي " ، رحمه اللّه تعالى ، وأجزل ثوابه ، هو الذي وسّع المسجد الحرام ، هذه التوسعة العظيمة ، وهو الذي جعله مربعا بشكله الحاضر اليوم ، وذلك في توسعته الثانية التي بدأت سنة ( 164 ) أربع وستين ومائة من الهجرة ، وأنه رحمه اللّه تعالى ، أمر بجلب الأساطين والأعمدة الرخام من الشام